الشنقيطي
364
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذلك ، كما كان عليه أول هذه الأمة ، من القرون المشهود لها بالخير . التنبيه الخامس اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور ، يقولون : هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة ، وتقديمهما على آراء الرجال من التكليف بما لا يطاق . لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما . ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإمام الذي نقلده . لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئا غير ذلك . فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة لا نعلم شيئا من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا ، وتعطلت بيننا الأحكام إذ لا نعرف قضاء ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا . لأن أحكامه مدونة عندنا وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين . ونحن نقول : واللّه لقد ضيقتم واسعا . وادعيتم العجز ، وعدم القدرة في أمر سهل . ولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين الأعمى ، للمذاهب المدونة تقتضي صعوبة شديدة جدا في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة بنور الوحي . وذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة والإعراض عنهما إعراضا كليا يتوارثه الأبناء عن الآباء ، والآباء عن الأجداد . فالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل . ونحن لا نقول : إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده . بل نعوذ باللّه من أن نقول ذلك . ولكنا نقول : إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما ، ولا يجوز الإعراض عنهما وأن كل ما علمه المكلف منهما علما صحيحا ناشئا عن تعلم صحيح وجب عليه العمل به . فالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإعراض عنهما إعراضا كليا اكتفاء عنهما بغيرهما .